أبي هلال العسكري

40

الصناعتين ، الكتابة والشعر

إذا قطعته من شجرته . وفيه معنى السرعة أيضا ؛ فيقول : البلاغة إجادة في إسراع ، واقتصار على كفاية . فمن البديهة الحسنة ما أخبرنا به أبو أحمد قال أخبرنا إبراهيم بن محمد الشطنى قال : حدثني أحمد بن يحيى ثعلب قال : دخل المأمون ديوان الخراج فمرّ بغلام جميل على أذنه قلم فأعجبه ما رأى من حسنه ؛ فقال : من أنت يا غلام ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، الناشئ في دولتك ، وخرّيج أدبك ، والمتقلّب في نعمتك ، الحسن بن رجاء . فقال المأمون : بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول . ثم أمر أن يرفع عن مرتبة الديوان ويعطى مائة ألف درهم . ومن الاقتضاب الجيد : ما أخبرنا به أبو أحمد قال : أخبرني أبو أحمد الواذارى عن شيخ له قال : قال أبو حاتم : سمعت أبا عبيدة يقول : استفتحت غلامين في الصبا . فزكنت « 1 » منهما بلوغ الغاية ، فجاءا كما زكنت : بلغني أن النظام يتعاطى علم الكلام فمرّ وهو غلام على حمار يطير به ، فقلت له : يا غلام ؛ ما عيب الزّجاج ؟ فالتفت إلىّ وقال : يسرع إليه الكسر ، ولا يقبل الجبر . وبلغني أنّ أبا نواس يتعاطى قرض الشّعر ، فتلقّانى وهو سكران ملتخ « 2 » ، وما طرّ شاربه بعد ؛ فقلت له : كيف فلان عندك ؟ فقال : ثقيل الظل ، جامد النّسيم . فقلت : زد . فقال : مظلم الهواء ، منتن الفناء . فقلت : زد . فقال : غليظ الطّبع ، بغيض الشّكل . فقلت : زد . فقال : وخم الطلعة ، عسر القلعة . قلت : زد . قال : نابى الجنبات ، بارد الحركات . ثم قال : زدني سؤالا أزدك جوابا . فقلت : كفى من القلادة ما أحاط بالعنق . ومن جيد البدائة ما أخبرنا به أبو أحمد قال : أخبرني أبى عسل بن ذكوان قال :

--> ( 1 ) زكنه كفرح وأزكنه : علمه وفهمه وتفرسه وظنه . ( 2 ) التخ في الأمر : اختلط . وسكران ملتخ : مختلط لا يفهم شيئا .